
إن تطبيق منهج المسح الأثري الشامل في الأقاليم التي تشهد أعمال التنقيب الكثيرة، يعتبر أهم قاعدة يمكن الأخذ بها لبناء وتطوير هيكل المعرفة الأثرية في تلك الأقاليم لأنه ليس فقط يتسم بطابع العلمية الحديثة، بل له أيضاً مزايا تنظيمية في الحقل الأثري، على أنه يتوجد متطلبات رئيسية من الناحية العلمية والعملية يجب توفرها عند الرغبة في القيام بالمسح الأثري الشامل أهمها:
الدراسة التحضيرية:
تشمل تحديد الرقعة الجغرافية المراد إجراء المسح الأثري فيها، وإذا كانت هذه المنطقة شاسعة تقسم طبوغرافياً بحيث تتفق كل وحدة مع الوحدات البيئية المستقلة، بمعنى ألا تتداخل مناطق السهول مع المرتفعات أو بطون الأودية مع الهضاب والمناطق الصحراوية على أن القاعدة الواجب اتباعها هي أن يتم مسح كل وحدة من هذا التقسيم على حدة.
وإذا حدث وكانت هناك دلائل ومكتشفات أثرية معروفة قبل البدء بعملية المسح الأثري في الوحدة البيئية المستقلة، يجب أن تدرس هذه الدلائل وتصنف من حيث طبيعتها وتؤخذ كمقياس للتعرف من خلاله على نوعيات الآثار التي تكتشف خلال المسح الأثري.
على أنه يجب أن تجري دراسات مقارنة مع الآثار المتخلفة المعروفة داخل وخارج الإقليم بغية التواصل إلى تحديد الفترة الزمنية التي ترجع إليها الآثار قبل البدء في عملية المسح الأثري، على أن الظروف المحلية والخاصة لكل حالة تحكم الطرق والوسائل التي تتم الدراسة التحضيرية من خلالها.
كذلك يجب الاطلاع على الكتب والمراجع العلمية وخاصة الجغرافية منها وما كتبه الرحالة وخاصة المؤرخون الذين زاروا المنطقة المراد العمل فيها على أن يتم ذلك أثناء الدراسة التحضيرية لعملية المسح الأثري.
متطلبات المسح الأثري:
** خرائط جغرافية مقاس 1: 50,000 وهي ذات أهمية قصوى في تعيين الأماكن المراد العمل بها.
** خرائط جيولوجية مبين عليها التضاريس التفصيلية وهي عامل مساعد على إظهار التغييرات الجيولوجية في منطقة المسج الأثري.
** الصور الجوية ذات مقياس مناسب 1: 20,000، 50,000 حيث أنها تساعد على اكتشاف الظواهر الأثرية التي لا يسهل اكتشافها خلال المسح الأرضي.
** الاستعانة ببعض الدراسات المفيدة في هذا المجال مثل الدراسات المتعلقة بمصادر المياه الجوفية، وعوامل التربة والمناخ، كذلك بعض الدراسات المتصلة بالمعادن وطبيعة الصخور المراد إجراء المسح الأثري بها.
** تجهيز بعثة المسح الأثري بوسائل تنقلات تلائم وتناسب المنطقة التي ستجري فيها البحث والحراسة الكافية ومواد التموين اللازمة حيث إنه كثيراً ما يتم العلم في أماكن بعيدة عن العمران.
أعضاء بعثة المسح الأثري
يتطلب المسح الأثري خبرات تخصصية مختلفة على النحو التالي:
** عالم الآثار حيث يكون همزة الوصل بين التخصصات المختلفة على أن يكون دليه إن أمكن هو ومساعدوه من رجال الآثار خلفات محددة في استراتيجية المسح الأثري، والإلمام إن أمكن بالقواعد الأولية في استخدام أدوات التحديد الجغرافي وآليات المساحة.
** مساحين متخصصين في هذا النوع من العمل ورسام ومصور مزود بنوع من الكاميرات الحديثة.
** الاستعانة بالأجهزة الملاحية البحرية والتي لها مقدرة على تحديد المواقع الأثرية وخاصة إذا كانت مثبتة على الشاطئ حيث يصل مداها في بعض الأحيان حوالي 450كم ويمكن استخدامها عن طريق المؤسسات الملاحية الخاصة.
** يستحسن أن يكون رجال الآثار المشتركون في المسح الأثري من تخصصات أثرية مختلفة مثل فترة ما قبل التاريخ والعصور الحجرية، العصر البرونزي والحديدي، العصور التاريخية بفتراتها الحضارية المختلفة، الممالك والإمبراطوريات القديمة بشتى فتراتها والعصر الإسلامي كذلك بعض المتخصصين في اللغات والكتابات القديمة.
** كذلك إذا أمكن مشاركة متخصص في علم البيئات القديمة، وعلم الكائنات الحية، وعلم النباتات القديمة على ضوء احتياجات البعثة.
النشر العلمي:
إذا كانت المنطقة المراد عمل مسح أثري بها مساحتها صغيرة ولا تزيد على بضعة كيلو مترات ففي أغلب الأحيان تقوم بعثة التنقيب نفسها بالمسح الأثري الذي يعتبر في مقدمة هامة ومفيدة لعملها أثناء التنقيب الأثري، وغالباً ما تقوم هذه البعثة بنشر ما توصلت إليه من نتائج أعمال التنقيب الذي أشرفت عليه أو في بعض الأحيان منفصلاً عن تقريرها الأثري، أما إذا كان برنامج المسح الأثري ذا مدى طويل ويتطلب مواسم متعددة نظراً لكبر المساحة المراد العمل فيها فإن نجاح هذا العمل يعتمد على سرعة ومرونة التحليل العلمي والنشر العلمي للنتائج التي توصلت إليها بالبعثة أولاً بأول حيث أن العمل مرتبط بما تم التوصل إليها من خلال نتائج فيما تم إنجازه من أعمال لأن حلقة العمل بالمسح الأثري تكاد تكون متواصلة.
ولهذا فالمسح الأثري ضروري ولابد من القيام به قبل البدء في أية أعمال التنقيب لأن هذا عامل هام ومفيد علمياً وأثرياً لرجال الآثار.
للتغذية الفكرية.
** مادة هذه المقالات منقولة من كتاب موجز في علم الآثار للدكتور علي حسن سنة الطبع 1993م، النسخة عربية.
