
المسح الأثري أصبح الآن من أهم الوسائل الواجب استخدامها على مختلف مستويات البحث الأثري، ولقد بدأ استخدام المسح الأثري منذ بداية الاهتمام العلمي المنظم بالبحث والتنقيب عن الآثار، فالآن لا يمكن عمل حفائر في منطقة من المناطق دون عمل مسح أثري للمنطقة المراد العمل فيها.
كلمة مسح أثري Survey:
معناها مجهود معين يبذل لتحديد أماكن أثرية وجردها ومعرفة آفاقها المختلفة، وخلال الجزء الأخير من القرن الماضي وبداية القرن الحالي شارك كثير من علماء الآثار بمجهودهم في وضع أسلوب ومنهج علمي لطريقة المسح الأثري، والذي كان غالباً ما يعتمد على جرد وتسجيل وحصر الأماكن ذات الطبيعة الأثرية من واقع شواهد أثرية على سطح الأرض.
وفي أواخر القرن الماضي وخلال النصف الأول من هذا القرن لم يكن هدف المسح الأثري مجرد مقدمة للبدء في أعمال التنقيب في منطقة ما وكذلك تسجيل أعداد وأنواع المواقع الأثري المختلفة، بل تعداه إلى أهداف أخرى تتصل بمضمون ونوعية البحث الأثري.
ولقد تمكن بعض العلماء المشرفين على أعمال البحث الأثري من الوصول إلى بعض النتائج المتعلقة بالحياة الاقتصادية والتجارية وكذلك العلاقات الاجتماعية بين سكان أماكن مختلفة من خلال المسح الأثري الذي أشرفوا عليه دون إجراء أعمال حفر وتنقيب حيث إنه في بعض الأحيان تكون الشواهد الأثري على سطح الأرض أو آثار غارقة كافية لإعطاء مثل هذه النتيجة من خلال مقارنات وتحليل عينات ومبان ومواد مستعملة في هذه المباني، إذ امكن ربط عدة مواقع متباعدة جغرافيا ضمن حلقة اقتصادية واحدة بفضل ملاحظة وجود أنواع متشابهة من المواد الخام، وكذلك أنواع الفخار والأحجار والمعادن المستعملة والتي تدل على أن هناك اتصالاً وترابطاً مباشراً بين سكان تلك الأماكن المختلفة ورغم بعدها عن بعضها البعض، ولذلك يعتقد بعض العلماء أن المسح الأثري أصبح هدفاً ووسيلة في آن واحد، فهو من ناحية يبرز حقائق جوهرية وأساسية عن بعض أوجه الحياة القديمة وفي نفس الوقت يعمل على تمهدي وتنظيم مجال التنقيب عن الآثار.
على أن استخدام المسح الأثري سواء كهدف أو وسيلة لم يكن منتشراً في مختلف مجالات وأماكن الأبحاث الأثرية كما يجب أن نتوقع، حتى إن معظم الأبحاث الأثرية التي تمت في نهاية القرن الماضي وخلال النصف الأول من هذا القرن لم يتم استخدام وسيلة المسح الأثري سوى في مناسبات محدودة وأماكن قليلة.
ولقد كانت تتم أعمال تنقيب مختلفة في منطقة واحدة وليس هناك ترابط موضوعي أو منهجي فيما بينها وذلك بسبب انعدام الترابط الذي يتوفر عن طريق المسح الأثري، ونتيجة لذلك تشتت الجهود وتخلق في في بعض الأحيان أخطاء علمية وأثرية ربما تحتاج إلى سنوات طويلة لتصحيحها وخاصة فيما يتعلق بحضارات ما قبل التاريخ واكتشاف الإنسان للكتابة.
والملاحظ حالياً أن كثيراً من الدول الغنية بالآثار قد أجرت تعديلاً في نظام التنقيب عن الآثار في بلادها لأنهم اكتشفوا التبذير والإسراف اللذين صاحبا أعمال التنقيب في الماضي، حتى إن بعض الدول تشترط قبل أعمال التنقيب إجراء مسح أثري حول المنطقة التي يرغب بالتنقيب فيها وذلك قبل وبعد أعمال التنقيب نفسها.
وفي بعض المناطق الأثرية الهامة أوقفت أعمال التنقيب تماماً أو بصفة مؤقتة ريثما يتم إنجاز مسح أثري شامل، سواء كانت فرق تنقيب محلية أو بعثات أجنبية.
تطور المسح الأثري:
لقد طرأ أفكار ونظم جديدة تخص منهج المسح الأثري نتيجة للتجديد الذي طرأ على علم الآثار.
لقد وضح علماء الآثار جل همهم لتطوير مفاهيم علم الآثار وتطوير أسلوب التحليل العلمي من الموضوعية إلى التجريدية وكذلك تعميق أبعاد البحث الأثري لكي يجذب إليه علوماً واختصاصات مختلفة في مجالات الطبيعة والرياضات والعلوم الاجتماعية والعلوم الإنسانية، وانبعث عن كل هذه الابتكارات أسلوب جديد للبحث على طرق النظم المستقلة (Systems Approaches).
ويعني هذا أن عالم الآثار عندما يبدأ معالجة مادته أو أية مشكلة أثرية يجب أن ينظر إليها من خلال الإطار المعيشي الكامل لإنسان سواء من ناحية التضاريس الجغرافية للمنطقة التي سكن فيها الإنسان أو مواردها الطبيعية من ماء، ونبات، وحيوان، ومناخ، ومظاهر التعرية، ومعادن.
وهذه النظرة بطبيعة الحال تتطلب تضافر العديد من العلوم والتخصصات عند فحص المشكلة الأثرية، ويعتقد البعض أن دراسة الإنسان في الماضي ترتكز في الأساس على النظرية القائلة بأن هناك توازناً طبيعياً خفياً بين جميع معطيات الحياة وظاهرها في البيئة المحيطة، ويشمل ذلك كافة الكائنات الحية بما فيها الإنسان.
فتواجد الإنسان في مكان ما لغرض العيش سواء بالاستقرار أو الارتحال يترتب عليه العديد من المضاعفات بعضها سلبي والآخر إيجابي في الطبيعة المحيطة به، فإذا ما قمنا بدراسة هذه الطبيعة وتحليلها قبل عامل التدخل البشري وبعده يمكن تحديد أوجه وأنماط العلاقة البشرية مع البيئة الطبيعية على مختلف مستوياتهما وهذا بالطبع يحقق لجل الآثار مدخلاً هاماً لتفهم مشكلة الحياة الإنسانية في الماضي وبالتالي تفسير تاريخ التطور الحضاري بشيء من التحليل العلمي.
ولهذا برزت الحاجة الماسة إلى تطوير وسائل حقلية لممارسة تطبيق هذه المفاهيم على مشاكل الحفر والتنقيب، وخلال العقدين الأخيرين تركز الاهتمام على تطوير عمليات المسح الأثري لأن المسح الأثري من أقرب الوسائل لتوفير الإنتاج البحثي الذي تتطلبه معالجة دراسة النظم، ومن هنا بدأت فكرة المسح الأثري الشامل الذي يهدف ليس فقط إلى حصر الآثار المنظورة، بل يتعدى ذلك إلى هدف الوصول إلى الإطار البيئي الكامل الذي عاصر كل فترة أو زمن محدد من الأزمنة الأثرية المعروفة.
للتغذية الفكرية.
** مادة هذه المقالات منقولة من كتاب موجز في علم الآثار للدكتور علي حسن سنة الطبع 1993م، النسخة عربية.
