
إن عملية التنقيب عن الآثار هي المرحلة الرئيسية في مضمار البحث الأثري ومما لا ريب فيه أن القول المأثور (معول الحفار هو عماد علم الآثار) وفيه شيء كثير من الحقيقة، فأعمال التنقيب الأثرية تلعب دوراً كبيراً في الكشف عن الدلائل المادية لما خلفه الإنسان في الماضي.
ويمكن القول إن العمل الأثري بالتنقيب سيظل في معظم جوانبه معتمداً على المهارة اليدوية والعين المتخصصة والاستنتاج الذكي، مستعيناً في كل هذا بأدوات بسيطة، لكن يجب على المختص في العمل الأثري أن يستفيد ما استجد ويستجد من معلومات وابتكارات تكنولوجية تسهل العمل في الحقل الأثري وتسرع في إنجازه وفي وقت أسرع وتضيف له معلومات جديدة.
منذ أن نشأ علم الآثار وبدأ الوعي الأثري في الانتشار خاصة في أوروبا اتجه علماء الآثار إلى العلم ليقدم لهم العون في دراسة وفحص ما خلفه أسلافنا من تراث أثري، بحيث يستطيع رجال الآثار وعلماء التاريخ الحصول على صورة كاملة من كل أثر عثر عليه يمكنهم من تسجيل حلقات التطور الحضاري.
لقد قدم العمل ولا يزال يقدم خدماته المتعددة لحل الكثير من المسائل الأثرية والحضارية ويزيد معلوماتنا عن حياة الإنسان في الماضي، نشأته وتطوره، وصناعاته، وحرفه، وعلاقاته التجارية والثقافية، بل إنه أيضاً يضع أيدينا على أمراضه ووسائله البيئية لعلاجها، والظروف الجوية التي عاش خلالها، كل هذا يمكن الحصول عليه من دراسة ما خلفه وراءه في معابده ومقابره ومراكز إقامته من مدن أو قرى وليس من الأشياء نفيها التي خلفها وراءه، وهذه ميزة من مميزات الدراسة العلمية للآثار.
لقد كان الباحثون عن الآثار يعتمدون كما قلنا اعتماداً كليا على أعمال التنقيب اليدوي مع ما فيه من مشقه ومشاكل أثناء الكشف عن الآثار المدفونة في باطن الأرض أو الآثار الغارقة، لذا اتجه الآثاريين إلى العلم الحديث ليساعدهم ويسهل عملهم في الكشف عما في باطن الأرض بالطلق العلمية، ونتج عن هذا توفير للجهد والمال في حفر أماكن خالية من الآثار، وركزوا جهودهم على الأماكن التي تدل الأجهزة العلمية على إمكانية وجود آثار فيها، وكثيراً ما يحدث أن يعثر رجال الآثار على مقابر أو قطع أثرية ليست بها معالم كافية تدل على عمرها، أو حتى على العصر الذي صنعت فيه، فاتجهت أنظارهم إلى العمل ووجهوا إليه النداء، وأجابهم العلم وأمكن له أن يبتكر طرقاً مختلفة لتحديد عمر الأثر وتركيباته الطبيعية.
مثال على ذلك:
إذا أعطينا أحد العلماء قطعة من أثر مصنوع من النحاس وقام بفحصها بالميكروسكوب المعدني يستطيع أن يكشف لنا هل هذا الأثر شكل بطرق النحاس الصلب في درجة الحرارة العادية، أو بطرق النحاس على الساخن، أو بصب النحاس المنصهر في قالب.
وإذا حللت مادة هذا الفلز القديم تحليلاً كيميائياً دقيقاً، فقد نستطيع الوصول إلى التعرف على العناصر النادرة وتقدير نسبتها بالاستدلال على المصادر الأصلية لخامات هذا الفلز، وهذا يساعد على معرفة الصلات التجارية بين الشعوب بعضها البعض، والأمثلة على ذلك كثيرة ومتعددة.
فالتعاون بين علم الآثار والعلوم الطبيعية إنما ينطوي على مصلحة متبادلة ونفع عظيم لكل فروع العلم وأمر ضروري لتقدم البحوث العلمية في كل المجالات، ومن العلوم الحديثة المستخدمة في الميدان الأثري استخدام الوسائل التنبؤية الحديثة في التنقيب والكشف عن الآثار، أي الكشف عما في باطن الأرض من ثروات وكنوز دون أن يقوم العالم الأثري بالتنقيب فيها.
والعلم الحديث قد لجأ منذ أواخر القرن الماضي إلى توجيه بحوثه ودراساته إلى الأمور غير المحسوسة أو الملموسة مثل الموجات الكهرومغناطيسية والإشعاعات والاستفادة منها تطبيقياً، ولقد توصل إلى كثر من إنجازاته واختراعاته عن طريقها وبذلك بدا للآثاري أن بعض النظريات التي كانت تبدو له من قبل غير معقولة، بل وتعتبر ضرباً من السحر والشعوذة، أصبحت الآن معقولة سهلة التصديق والتحقيق.
لقد استغل العلماء بعض هذه الأساليب العلمية لاستخدامات العمل الحديث وتطبيقاته للكشف عن الآثار المدفونة في باطن الأرض أو الغارقة وطوروها لتصلح للتطبيق في ميدان الحقل الأثري.
للتغذية الفكرية.
** مادة هذه المقالات منقولة من كتاب موجز في علم الآثار للدكتور علي حسن سنة الطبع 1993م، النسخة عربية.
