
تصوير الأستاذ عبدالله الرفاعي
التصوير الجوي Air Photography:
تعتمد هذه الطريقة على التعرف على مكان الأثر بواسطة تحديد رسمه الهندسي والأدلة على هذا الرسم هي علامات في النباتات وعلامات في التربة، واختلاف الظل وكلها غير ذات معنى عندما يراها الإنسان وهو على الأرض لعدم الترابط بينها، في حين أنها تترابط في الصورة المأخوذة من الجو، مثال على ذلك أن وجود مبان أو جدران وخاصة من الطين في التربة ما تحت النباتات تزيد من نسبة الرطوبة في الأرض التي تحتها، مما يسبب نموها بسرعة أكبر بالنسبة للمزروعات المحاورة لها والتي ليس تحتها مبان أو جدران، كذلك فإن لونها يكون مخالفاً لألوان النباتات التي تحيط بها.
ولقد فطن العاملون في مجال البحث الأثري لهذه الظاهرة واخذوا يبحثون عن أية علامة تدل على حدوث تغيرات في باطن الأرضـ وكثيراً ما كانون يعثرون على بعض القطع الأثرية تحت هذه النباتات.
ولقد ساعد التصوير الجوي تحديد الرسم الهندسي للمباني والتخطيط العام للموقع الأثري وفي بعض الأحيان الطرق التي تربط بينها، ويستعمل في التصوير الجوي كافة أنواع الصور سواء كانت بالأبيض والأسود، أو ملونة، كذلك تستخدم المرشحات خاصة بالتصوير بالأشعة الزرقاء أو الأشعة فوق البنفسجية أو تحت الحمراء، على أن يراعى الوقت المناسب للتصوير وكذلك مراعاة أن يكون التصوير بزوايا مختلفة، مرة تصويراً رأسياُ وأخرى تصويراً مائلاً.
الكشف عن الآثار بالأشعة X-Ray Radiography:
الجميع يعلم أن التصوير الضوئي لا يظهر إلى الشكل الخارجي للجسم المصور ولا يمكنه أن يظهر ما بداخله، لذلك كان اكتشاف الأشعة السينية التي اكتشفت عام 1895م لها القدرة على النفاذ في الأجسام وقوة هذا النفاذ تتوقف على كثافة الجسم المراد بحثه وإظهار ما بداخله ولقد استخدمت هذه الأشعة في الميدان الأثري للكشف عن بعض الطبقات المحتمل وجودها تحت الطبقة السطحية لأثر من الآثار والتي بها نقوش أو لها طبيعة مخالفة للطبقة السطحية الموجودة فوقها.
الكشف بالأشعة الكونية:
لعله من عجائب القدر احتواء الكون على جسيمات تسمى ميزونات تصل طاقتها إلى ملايين الملايين أو تزيد من الفولت الإلكتروني، وهي تسقط بانتظام من الفضاء الخارجي على الأرض؛ تلك الأشعة اكتشفها فيكتور هس عام 1912م وسماها أحد علماء الطبيعة باسم “الأشعة الكونية” عام 1923م ولقد ظلت هذه الأشعة طوال هذه السنوات دون الاستفادة منها في تطبيق عملي بالنسبة للآثار حتى بداية التفكير في مشروع التصوير الكوني للأهرامات المصرية بالجيزة.
وتتكون هذه الأشعة من ميونات، أي “ميزنات ميو” قدرت بحوالي 10,000 ميون متر مربع في الثانية، ولهذه الجسيمات قوة خارقة للنفاذ في المواد المختلفة غير أن قوة هذه الأشعة تقل تدريجياً كلما توغلت داخل المواد المختلفة.
ويمكن تقدير كمية الأشعة الكونية النافذة في الاتجاهات المختلفة بجهاز يسمى غرفة الشرارة Spark Chamber وهو جهاز يتولد فيه الشرار بين زوجين من الألواح المعدنية كلما مرت بين لوحيه إحدى جسيمات الأشعة الكونية النافذة.
وعلى هذا الأساس اعتمدت الطريقة التي اشترك في تنفذها معمل لورانس للإشعاعات بجامعة كاليفورنيا في بيركلي بالولايات المتحدة للأمريكية، وقسم الطبيعة بكلية علوم جامعة عين شمس، والهيئة العامة للآثار المصرية بالقاهرة.
فإذا كان في الهرم ممرات أو حجرات غير معروفة لنا حتى الآن، فإن سمك الحجر الذي ستمر فيه الأشعة الكونية في الاتجاهات التي قد توجد فيها، سيكون أقل من سمك الحجر في الاتجاهات الأخرى الصماء، ومن صم تكون كمية الأشعة الكونية التي تمكنت من النفاذ إلى حجرة الدفن في الاتجاهات التي بها الحجرات أو الممرات أكبر من كمياتها في الاتجاهات الأخرى، وبعد معرفة الاتجاه الذي توجد فيه هذه الممرات أو الحجرات، يمكن تغيير وضع غرفة الشرارة لتقدير بعدها عن حجرة الدفن في هذا الاتجاه.
ولذلك فقد وضعت في حجرة الدفن بهرم الملك خفرع باني الهرم الثاني بالجيزة غرفة الشرارة، وسجلت الشرارات التي تولدت فيها على شريط تسجيل مغناطيسي، وترجمت هذه المعلومات باستخدام العقل الإلكتروني، وأمكن الحصول على صورة لداخل الهرم، وقد دلت هذه الصورة على أمرين:
الأول: أن حجرة الدفن داخل الهرم الثاني لا تقع تماماً في مركز قاعدة الهرم، بل إنها تنحرف نحو الشمال الشرقي بحوالي 20م وتتفق هذه النتيجة مع نتيجة المسح المعماري لداخل الهرم وتم نفس الشيء بالنسبة لزوايا الهرم.
الثاني: لم يعثر على أية غرف أو ممرات أو فراغات غير معروفة لنا داخل الهرم وخاصة الثلث العلوي منه ولقد أعلنتن هذه النتيجة في 30 أبريل 1969م.
وتعتبر هذه النتيجة إيجابية من الوجهة العلمية بالنسبة لصلاحية طريقة استخدام الأشعة الكونية لتصوير الأهرامات دون الإضرار بها، ولما كانت النتائج التي حصلنا عليها لم تصور إلا الثلث العلوي من الهرم، فقد أعيد إجراء التجربة باستخدام غرفتي شرار متحركتين حتى يمكن تسجيل الأشعة النافذة في كل الاتجاهات وحتى قاعدة الهرم، ولقد دلت النتائج التي تم تسجيلها على أن الهرم لا يحتوى على أي حجرات أخرى غير التي تم الكشف عنها وهي معروفة لجال الآثار وقد أعلن أيضاً عن هذه النتيجة عام 1974م.
وبهذا تحقق الحلم الذي ظل يراود رجال الآثار منذ فترة طويلة وهو استخدام العلم للكشف عما في باطن الأرض من ثروات وكنوز دون أن يقوم بالتنقيب فيها.
التحليل الكيميائي لعينات التربة Soil Analysis:
هذه الطريقة تصلح لتحديد الأماكن التي كانت يوما ما آهلة بالسكان أو استعملت كمقابر وكانت عوامل الزمن أثرت عليها فضاعت معالمها وأصبحت غير ظاهرة للعيان.
فكما هو معلوم للجميع أن الإنسان والحيوان إذا ما سكن في مكان ما فإن التركيب الكيميائي للتربة في هذا المكان يتغير عن تركيبها في الأماكن الأخرى، وسبب ذلك ما يتخلف عن الإنسان من فضلات وما بقي فيها من نفايات، ولما كانت المخلفات التي يفرزها الإنسان أو تفرزها الحيوانات التي تعيش بصحبته غنية بمادة الفوسفات والنيتروجين والكربون، وكذلك العظام تتألف أساساً من فوسفات الكالسيوم؛ فإن هذه المكونات الفوسفات والكالسيوم والنيتروجين والكربون وبصفة خاصة الفوسفات تزيد بدرجة واضحة في هذه المواقع دون غيرها فإذا ما قمنا بتحليل عدة عينات من التربة في المواقع المختلفة لتحديد المواقع الغنية بهذه العناصر الأربعة معاً نحدد المواقع التي كانت آهلة بالسكان في فترة سابقة، ويمكن أخذ عينات من أماكن مختلفة وعلى مسافات منتظمة وفي اتجاهين متعامدين حتى نستطيع أن نحدد بصورة تقريبية حدود المنطقة التي سكنها واستعملها الإنسان.
فإذا ما تم ذلك يمكن لرجل الآثار تحديد المنطقة التي يقوم بإجراء أعمال الحفر والتنقيب فيها بدلاً من تشتيت جهوده في منطقة شاسعة لا يعرف عنها إلا ظواهرها الأثرية.
فحص حبوب اللقاح Pollen Analysis:
يمكن تحديد أنواع النباتات التي كانت تنمو في العصور القديمة في أي مكان بالفحص الميكروسكوبي لحبوب اللقاح المختلفة في التربة القديمة، إذ المعروف أن حبوب اللقاح تحتفظ بخصائصها في التربة مدداً طويلة جداً.
ويعلم الجميع أن علميات التلقيح في النباتات الزهرية تتم عادة بانتقال حبوب اللقاح بواسطة الطيور أو الحشرات أو الرياح، وفي حالة انتقال حبوب اللقاح بواسطة الرياح فإن الزهور المنتجة لهذه الحبوب تنتج كميات كبيرة منها لضمان وصول إحدى هذه الحبوب إلى زهرة أنثى وذلك قبل أن يسقط معظمها على الأرض دون أن يكون له نصيب في عملية الإخصاب.
والجزء الأكبر مما سقط على الأرض من حبوب اللقاح يتحلل ولا يبقى منه شيء، غير أنه في حالة سقوط بعضها في وسط تربة صالحة لبقائها مثل الطين الندي أو تربة حمضية أو فحمية فإنها تتحجر ويمكن بسهولة التعرف عليها تحت الميكروسكوب.
فإذا ثبت من الفحص وجود حبوب اللقاح في التربة وأنها تنتمي لتلك النباتات التي قام الإنسان بزراعتها فإن هذا يدل على أن القرية أو المدينة التي سكنها المزارعون قريبة من هذه المنطقة وبالتالي قد تكون مقابرهم أيضاً بجوارها أو على بعد قليل منها.
على أن هناك شيء هاماً يجب أن يوضع في الاعتبار ألا وهو التأكد من أن التربة الطينية التي عثر فيها على حبوب اللقاح هي تربة أصلية وليست وافدة من منطقة أخرى بعيدة عنها، إذا كثيراً ما تقوم مياه السيول التي تسقط على المناطق الجبلية تجلب معها من قيعان بعض البحيرات والأودية الجافة تربة طينية مترسبة أختلط بها في بعض الأحيان حبوب اللقاح.
حبوب اللقاح فوائد أخرى في الحقل الأثري إذ عن طريقها يمكن:
معرفة النباتات التي نمت في منطقة التربة الطينية وهذا يساعد على معرفة الأحوال الجوية التي كانت سائدة في هذا الوقت، فمثلا إذا عثرنا على بعض حبوب اللقاح لنبات الصنوبر فهذا يدل على أن الأحوال الجوية في هذه الفترة كان بارداً، وإذا ما عثر على حبوب لقاح لنبات من شجر البلوط والجميز واللبخ دل هذا على أن الأحوال الجوية كانت دافئة مما ساعد على نمو هذه الأشجار في هذا المكان.
الطرق الجيوفيزيائية:
تعتمد هذه الطريقة على استخدام نظريات علم الفيزياء للكشف عن التركيبات الجيولوجية في القشرة الأرضية، مهما كان سمكها للتنبؤ عما هو في باطن الأرض من ثروات، ثم طورت هذه الطريقة بحيث يمكن تطبيقها للكشف عما هو في باطن الأرض من كنوز أثرية وأهم الطرق التي استخدمت بنجاح في الحقل الأثري طريقتان:
تقدير مقاومة التربة للتيار الكهربائي:
هذه أول وسيلة جيوفيزيائية استخدمت للكشف عن الآثار المطمورة في باطن الأرض ويرجع أول تاريخ لاستخدامها عام 1946م، حيث تتفاوت المواد كثيراً في مقاومتها لمرور التيار الكهربائي فمقاومة الصخور الصلبة كالجرانيت والبازلت، أعلى من مقاومة الأحجار الرسوبية قليلة الصلابة مثل الحجر الجيري أو الحجر الرملي، ومقاومة هذه الأحجار بدورها أعلى من مقاومة التربة الطينية، خاصة إذا كانت نسبة الرطوبة بالتربة مرتفعة، فإذا كانت التربة كلها من نوع واحد وجد أن مقاومتها الكهربائية في الأماكن المختلفة متساوية، أما إذا وجدت آثار من نوع مختلف عن مادة التربة في بعض الأماكن فإن المقاومة الكهربائية في هذه الأماكن تكون مختلفة.
ولذلك فإن تقدير مقاومة الأجزاء المختلفة في المناطق الأثرية يبين بسهولة أماكن الجدران الحجرية في المناطق الطينية ويبين أماكن الخنادق أو المباني الطينية في الأراضي الصحراوية، ومن ثم يمكن تحديد مواقع المباني الأثرية بالمنطقة.
وقد جرت تعديلات على هذه الطريقة، بل ما زالت الأبحاث مستمرة لمزيد من التعديل والتطوير للتغلب على بعض الصعاب التي واجهتها ومن أهمها اختلاف الرطوبة في المواقع المختلفة من التربة، وكذلك شيوع استخدام حديد التسليح ومد أنابيب الحديد من مكان لآخر مما جعل النتائج غير دقيقة في تقدير المقاومة الكهربائية تحت نفس الظروف كذلك تجري البحوث على نفس الأسس لتجنب العوامل الخارجية، وحتى تكون النتائج معبرة تعبيراً صحيحاً عما تخفيه التربة من مبان أثرية.
قياس مقاومة المجال المغناطيسي Magnetic Surveying:

تصوير الأستاذ عبدالله الرفاعي
تعتبر هذه الطريقة من أفضل الطرق المستخدمة للكشف عن الآثار المطمورة في باطن الأرض وذلك لبساطتها وسرعة نتائجها وكذلك سرعة تفسير هذه النتائج علمياً، وتعتمد هذه الطريقة على قياس المجال المغناطيسي الأرضي في المنطقة التي يجري فيها التنقيب بجهاز يسمى “الماجنتومتر” فإذا كانت التربة خالية من أية آثار ولها طبيعة واحدة في كل مكان فإن القراءات التي يسجلها الماجنتومتر تكون واحدة في كل أجزاء هذه المنطقة، أما إذا وجدت في التربة أجسام مطمورة مختلفة في طبيعتها عهن طبيعة التربة ولها تأثير مغناطيسي مثل الفخار، الأفران المشيدة بالطين المحروق، الحديد، وكذلك المباني المشيدة بالطوب المعروق، فإن قراءات التي يسجلها الماجنتومتر تكون غير عادية.
ويجري العمل في حالة استخدام هذه الطريقة بتقسيم المنطقة إلى مربعات وقياس المجال المغناطيسي في نقط التقاطع وتسجيل النتائج على الورق ومن النتائج غير العادية وأماكن وجودها أو امتدادها بالمنطقة يمكن في معظم الأحيان تحديد مكان الأثر وشكله العام.
وعلاوة على أن هذه الطريقة تتميز بسرعتها وسهولة إجرائها فإنها أيضاً تكشف عن آثار على أعماق كبيرة قد تصل إلى حوالي 6 أمتار في باطن الأرض، كما أنها تعطي نتائج دقيقة إلى حد كبير.
للتغذية الفكرية.
** مادة هذه المقالات منقولة من كتاب موجز في علم الآثار للدكتور علي حسن سنة الطبع 1993م، النسخة عربية.
