
لقد قال عالم آثار كبير إن الامتناع كلياً عن القيام بأعمال تنقيب أثرية أفضل من الشروع فيها إذا لم تكن التجربة مع الخبرة متوفرة لأن هذا يفقدنا أشياء لا يمكن تعويضها.
إن التنقيب هو إتلاف مجموعة من المعطيات الأثرية لا يبقى منها سوى قسم ترجع أهميته بشكل أو أخر لتقدير عالم الآثار المكتشف، ولقد قيل أيضاً إن التنقيب هو قراءة كتاب يضمحل أولاً بأول، إنها محاولة فيزيائية أو كيميائية يستحيل إعادتها.
إنها مسؤولية ضخمة تقع على عاتق عالم الآثار لابد أن يكون جديراً بها، وهل سيكون في حالة تمكنه من حل طلاسم اللغز، هل سيستخرج أفضل فائدة من جميع ما يعثر عليه الذي يعتبر هو أول وآخر ملاحظ لها في مكانها الذي وضعت فيه.
على المنقب أن يكون على دراية كاملة بالموقع الذي يعمل فيه تاريخياً وأثرياً وأن يطلع على كل أو أغلب ما كتب وسجل ورسم وصور عن المكان المزمع العمل فيه، كذلك الاستعانة بحذر من سماع بعض التقاليد المحلية المجاورة للموقع وكذلك سماع أقوال كبار السن المشهود لهم بأمانة الكلمة أو سبق لهم العمل مع بعثات أجنبية أو محلية.
إننا نرتكب خطا كبيراً إذا أدرنا إقرار طرق تنقيب عمومية لأجل البحث والتنقيب، فطريقة العمل يجب أن تتكيف دائماً مع المشاكل المحلية وأوضاع الأرض التي يحفر فيها، على أنني أشدد هنا على أن جميع أعمال التنقيب يجب أن يقوم بها متخصصون أغنياء بالتجربة الشخصية، وإذا لم يملأ هذا الشرط فلن نحصل إلى على آثار لن تساعد بشكل مفيد على حل المشاكل التي تعرضها الآثار نفسها، فالتجربة بالفعل صفة جوهرية للمنقب، وما من مبدأ نظري وما من وصفة مكتوبة يمكن أن تغني عنها. إن العمل بالحفر لا يمكن أي يكتسب إلا بالتطبيق العملي، ولن تكون أبداً طريقة جامدة ويجب أن تتكيف باستمرار، ولكن بالإمكان عرض مبدأين على سبيل المثال:
- يجب أن يكون التنقيب وفقاً لعلم طبقات الأرض.
- يجب ألا يتوقف التنقيب إلا عند الوصول إلى الأرض البكر.
إن هذا المبدأ بسيط ومع ذلك من الممكن أن يكون من الصعب معرفة الأرض البكر أحياناً حيث يكسب الزمن منظر طبقة جيولوجية أحياناً لأراضٍ قد شغلت من قبل، ومن ناحية أخرى يمكن أن تتكون مستودعات طبيعية على بناء بشري مهجور، وبعد عدة قرون تقوم حضارة جديدة على هذه الطبقة إنها حالات نوعية يجب أن يكون المنقب فيها على حذر.
والاستيطان البشري يظهر في التربة على شكل طبقات تضم مواقع عديدة لذلك على الأثري الذي يعمل في حقل التنقيب أن يكون له قدرة علمية فائقة على تفهم الطبقات المختلفة بألوانها المتباينة وبمكوناتها المتميزة والعديدة وهذا كله يحتاج إلى خبرة وتمرين.
الطريقة الستراتيجرافية (مختصة بطبقات الأرض):
تعتبر هذه الطريقة من الاكتشافات الكبيرة والحديثة في فن الحفر والتنقيب في السنوات الأخيرة فهي ذات أصل جيولوجي وباليوثنولوجي Paleoathnalogic (علم أنواع مطمورات الأرض من نبات) وذلك لأن هذا يساعد على تحديد وإعطاء دلائل تاريخية متسلسلة، وتتطلب الطريقة الستراتيجرافية الخاصة بعلم طبقات الأرض التطبيق الدقيق حينما يتعلق الأمر بمناطق آثار تعود إلى عصور ما قبل التاريخ سواء كانت على سطح الأرض أو مقابر أو أماكن صحراوية أو طفلية أو بها مياه أو هلة ضفاف الأنهار والبحيرات.
إن التنقيب وفقاً لنظام طبقات الأرض يجب أن يدار بحيطة شديدة جداً وبدقة ميكانيكية بمعنى أن يكون الحفر طبقة بعد طبقة (30سم أو 40سم أو 50سم أو 100سم) وفقاً لطبيعة الحفائر، مع وصف كل مرحلة يتم حفرها بتفصيل وعناية فائقة وذلك لأن الطبقة التي ينتهي الأثري من حفرها يتخلص منها للبدء في طبقة أخرى على أنه يجب أن يوضع في الاعتبار ما قد يكون قد أصاب هذه المنطقة وهذه الطبقات من عبث اللصوص أو أعمال حفر سابقة غير منظمة جعلت عاليها سافلها وخلطت بين جزئياتها وأصبحت الطبقات متداخلة.
ومن ناحية عامة نرتكب خطأ كبيراً إذا أردنا إقرار طرق عمل عمومية لأجل البحث الأثري فطريقة العمل يجب أن تتكيف دائماً مع المشاكل المحلية وأوضاع الأرض.
على أنني أكرر هنا مشدداً أن جميع أعمال التنقيب يجب أن يقوم بها متخصصون أغنياء بالتجارب الشخصية وإذا لم يملأ هذا الشرط فلن نحصل إلا على آثار لن تساعد بشكل مفيد على حل المشاكل التي تعرضها الآثار نفسها فالتجربة صفة جوهرية للمنقب وما من مبدأ نظري وما من صفة مكتوبة أو مسموعة يمكن أن تغني عنها.
إن العمل بالتنقيب لا يمكن أن يكتسب إلا بالتطبيق العملي ولن تكون هناك طريقة جامدة ويجب أن تتكيف باستمرار مع العلم في الحقل الأثري سواها، إن مشاكل التنقيب كبيرة منها على سبيل المثال إن مناطق عمال التنقيب مختلفة فما يصلح من أسلوب حفر في منطقة رملية لا يصلح لمنطقة جبلية أو صخرية أو تربة طفلية أو منطقة بها مياه جوفية، وكذلك البحث والتنقيب في منطقة آثار يونانية ورمانية يختلف عن البحث والتنقيب في منطقة آثار إنسان العصور الحجرية الأولى في عصور ما قبل التاريخ.
للتغذية الفكرية.
** مادة هذه المقالات منقولة من كتاب موجز في علم الآثار للدكتور علي حسن سنة الطبع 1993م، النسخة عربية.
