
نشأ علم الآثار نشأة علمية في عصر النهضة بأوروبا (القرن الخامس عشر) حين بدأ الاعجاب الشديد بالعصور القديمة ولذا بدأ البحث عن الماضي وبدأ حب الآثار القديمة يسيطر على المسرح العام بأوروبا وبدأ يكتشف ما يعرف بالفن اليوناني والروماني واستخراج التماثيل ووضعها في المتاحف، ثم مر بعدة تحولات في القرون اللاحقة حتى أواخر القرن الثامن عشر حيث بدأ علم الآثار يتحرر من قيوده وفي أوائل القرن التاسع عشر بدأ علم الآثار الحديث يأخذ شكلاً خطيراً في معرفة الإنسان بتاريخ وتطوره في اكتشاف حضارات ومدنيات قديمة سبق حضارة اليونان والرومان بعشرات القرون وغيرت آراء مؤرخي الحضارات عن أصول التمدين البشري وجذوره فقد كان الباحثون يحصرونها في تراث الحضارة اليونانية.
الكثير من الحضارات القديمة لم يعرف عنها شيء حتى مجرد أسمائها لم تكن معروفة لكن الكشف عن مخلفاتها وسع نظرة الإنسان الحديث إلى الحياة وتطورها وأصول تطور البشرية الحضاري والمراحل المختلفة التي بها ذلك التطور.
علم الآثار ساهم مساهمة فعالة في إحساء تواريخ أمم مجهولة وحضارات قديمة وتجارب إنسانية كبيرة من حضارات مصر والعراق والصين والهند وبعض جزر البحر المتوسط وحضارات أمريكا اللاتينية وغيرها من الأمم التي تركت خلفها مخلفات أثرية.
وبسبب هذا التطور والكشف عن كل هذه الحضارات في فترة وجيزة أدى ذلك إلى تدمير الآثار بعمليات النهب والسرقة دون تصريح من قبل هواة جمع الآثار سواء كان خلفها المتاحف أو مجموعات خاصة، ومع ذلك بدأ المختصين بدراسة علم الآثار في أعمال التنقيبات العلمية التي كان الهدف الرئيس خلفها وهو توثيق التاريخ النسبي للمباني والمنقولات أو المعثورات الأثرية التي صنعت قبل اختراع الكتابة بوقت طويل.
وبالتدريج أمكن تطوير تاريخ جهود الإنسان المتعاقبة في الحضارة وتمكن علم الآثار من تتبع حركات الشعوب وأخبارهم وحروبهم وانتصاراتهم ومعتقداتهم الدينية وعاداتهم الاجتماعية وقراءة كتاباتهم أمكن معرفة شيء عن أفكارهم أيضاً لذا فعلم الآثار والتاريخ بينهما علاقة وثيقة.
إن علم الآثار لا يستطيع أن يصل إلا إلى قسم من الأشياء التي تؤلف حضارة شعب ما، وهذا القسم هو الأكثر أهمية هو الذي يستحق البقاء.
إن علم الآثار يهتم بجمع كل ما يعلق بمظاهر الحياة وليست قيمة الشيء الفنية هي التي تهمه وحدها وأن هناك كثيراً من المواد لها صفة الصلابة والخلود في بعض الأحيان كالجرانيت والديوريت والرخام والبرونز وهذه لا تقترن دائماً بالجمال، قد حاربت الكنيسة فترة طويلة علم الآثار خاصة ما بين عامي 1793 – 1880م والتي استمرت إلى أن هزمت الكنيسة لكن بعد حوالي 90 سنة من الصراع، لقد كانت الكنيسة في ذلك الوقت تحافظ على التقاليد والعادات والدراسات القديمة وتهتم بالآداب وليس بالفنون، وكذلك نجد ان الاهتمام كان بالكلام وليس بالأفكار وليس بالأشكال افنية لذلك نجد أن علم اللغة تقدم على علم الآثار وان دراسة النصوص هي أسهل بكثير من دراسة المواد الأثرية لكن كان لسهولة الرحلات والتصوير أهم الأسباب في تقدم علم الآثار.
إن علم الآثار ليس تحقيقاً عن الماضي فحسب بل هو تحقيق عن مختلف الحضارات، وعلينا أن نفهم بشكل أفضل العوامل المشتركة التي يتقرر بواسطتها الربط بين تنقيبات ذات ميادين مبعثرة زمانياً وجغرافياً، وتكوين صورة شاملة عما كان عليه العالم القديم.
للتغذية الفكرية.
** مادة هذه المقالات منقولة من كتاب موجز في علم الآثار للدكتور علي حسن سنة الطبع 1993م، النسخة عربية.
