Site icon

أهداف التنقيب عن الآثار

أعمال التنقيب في موقع ضرية بالقصيم – واس

مقدمة:

يظن الكثير من الناس أن التنقيب عن الآثار هو مجرد حفر الأرض للبحث عن آثار ثمينة أو تحف جميلة تدر على مكتشفها صيتنا وغنى، وللحق أن يقال إن هذا هو ما كان عليه المهتمين بالآثار قبل 100 عام ماضية كان الهدف هو البحث عن الكنوز.

لكن حينما أصبح هذا المجال يأخذ مجرى ومدلول آخر وهو الدراسات العلمية أختلف اختلافاً كبيراً، وهو يرتكز في أمرين، وكلاهما مرتبطين ببعض:

الأول: أعمال الحفر والتنقيب واستخلاص الآثار وتسجيل أوصافها وأوضاعها بالنسبة لغيرها والمحافظة عليها وترميمها.

الثاني: استخدام هذه الآثار المكتشفة في إلقاء أضواء جديدة على الحضارة الإنسانية الماضية وتطورها واستنباط التاريخ منها.

وكثيراً من الآثار والتحف الجميلة المعروضة في المتاحف تدين بالفضل وإلى وجودها في تلك الخزائن والأرفف إلى التقدم الرائع الذي أحرزه علم الآثار الحديث في أعمال التنقيب والترميم، ويجب ألا نعتقد أن كشف الآثار هو في حد ذاته غاية علمية بل إن وراء القصة المجردة شيئاً ذا قيمة حقيقية دائمة.

إن أهمية ما يعثر عليه من آثار هي أنها تلقي ضوءاً على تاريخ رجال مثلنا تماماً وعلى حضارة متصلة بحضارتنا الحالية، حيث أن الكشف عن العالم يؤثر فيها جميعاً ويصبح جزءاً من الميراث الثقافي العام ونحن ننصف إذا قلنا عن علم الآثار بأنه العلم الذي يهم كل إنسان ومرجع ذلك إلى أن هدف المباشر خاصة إذا ما قرناه بالعلوم الطبيعية هو أنه يأتي بمقدمات أبسط، فهو يبحث في الإنسان الحديث وليس ذلك الكون الذي أخذ يتحول شيئاً فشيئاً إلى معنويات ندركها بعقولنا بينما نعتبر ما فيه من مادية من صنع البشر، وهذا من أهم أهداف التنقيب عن الآثار.

لماذا يحفر الإنسان؟

إن هدف علم الآثار هو اكتشاف مجرى الحضارة البشرية وتوضيحه، وليس من شك أن ذلك هدف مهم، لكن قد يعترض على هذا بأن ذلك لا يخص المتخصصين في أعمال والتنقيب، بل إن دراسة مجرى الحضارة الإنسانية هي من مهام علم التاريخ.

وإذا كان الأمر كذلك، وكان المؤرخ يتخذ من مخلفات الماضي التي ينقب عنها عالم الآثار مادة له، أليس من الممكن أن نستخرج تلك المادة بالحفر العادي؟ هل من مبرر لمن يدعي التخصص في علم الحفر والتنقيب؟

أعمال الحفر والتنقيب في جوهرها تطبيق للطريقة العلمية في التنقيب عن الأشياء القديمة وتقوم على أساس أن القيمة التاريخية لشيء من الأشياء لا تعتمد على طبيعة الشيء نفسه بقدر اعتمادها على متعلقاته التي لا يمكننا ملاحظتها إلا بفضل الحفائر العلمية وحدها.

من يحفر بدون الاعتماد على أسلوب علمي هو مثل السارق تماماً فهما يهدفان إلى الحصول على أشياء ذات قيمة فنية أو تجارية ثم يقف اهتمامهما عند ذلك الحد، أما العالم المنقب عن الآثار ففضلاً عن استمتاعه بالعثور على الأشياء النادرة الجميلة لأنه بشر قبل كل شيء فإن يريد أن يعرف كل شيء عما يعثر عليه، ثم إنه في جميع الحالات يفضل الحصول على المعرفة أهم من حصوله على الأشياء التي يعثر عليها.

حيث يعتمد الحفر والتنقيب اعتماداً كبيراً على الملاحظة والتسجيل والتفسير، وهناك اختلاف كبير جداً بين غرض الباحث العلمي ووسائله وبين السارق للآثار.

إن عظم القيمة التاريخية لشيء من الأشياء تعتمد على معرفتنا للظروف التي وجد فيها (المكان والطبقة)، فإذا فرضنا أن أحد الأشخاص أخرج من مكان ما تمثالً أو حلية من الذهب فإنه سيبيعها، ثم تنتقل هذه التحفة من يد إلى يد وهكذا إلى أن تنتقل من أحد تجار العاديات إلى متحف من المتاحف أو مجموعة من المجموعات الشخصية، وحينئذ لا يعرف احد أن وجدت، أو كيف عثر عليها، ذلك لأنها تكون قد انفصلت عن متعلقاتها، وليس في الإمكان أن يحكم عليها بمقدار قيمتها الذاتية، حقاً إن قيمتها كتحفة فنية لم تتأثر، لكن ما أهميتها التاريخية؟

في هذه الحالة يضطر المتخصصون أن يخمنوا وأن يرجعوها إلى قطر من الأقطار وعصر من العصور بفضل المعلومات التي حصلوا عليها، إلا أنهم في معظم الأحيان لا يتفقون، وكذا يصبح هذا الأثر موضع جدال بين العلماء مصدر ارتباك للرجل العادي.

مثال على ذلك:

اكتشف أحد العمال مصادفة أثناء حفره في خرائب كنيسة من الكنائس السورية كأساً من الفضة مزخرفة برسوم اشخاص بارزة يمكن التعرف على أن بعضهم يمثلون السيد المسيح عليه السلام وتلامذته، وقد انتقل هذا الكأس إلى أمريكا خلال ايد مختلفة فقام أحد تجار الآثار بإعداد قصة تقوم أنها اكتشفت في مدينة انطاكية، وهكذا أكد للعالم أنها الكأس المقدسة أي الكأس الفعلية التي استعملت في العشاء الأخير، وأنها تحمل صور لتلامذة السيد المسيح بل انها معاصرة له.

وعلى الرغم من أن الكأس عثر عليها على مسافة تبعد عن انطاكية ب 150كم وأن أسلوب صناعتها نجد أنها صنعت بعد فترة المسيح عليه السلام بما لا يقل عن 300 سنة أي أنها صنعت بالقرن الرابع الميلادي، فلقد كانت هناك صعوبة للقضاء على مثل هذا الخطأ بعد ان اكتسبت دعاية وقصة دينية مؤثرة.

وهنا يجب أن نذكر أن بعض ما يعثر عليه قد يكون ليس له قيمة مادية في حد ذاته وليس قطعة تصلح للعرض في متحف من المتاحف، ومع ذلك فهو وثيقة تاريخية ذات أهمية عظمى، والسبب هو أن هذا الشئ كانت طريقة إخراجه وظروف اكتشافه قد لوحظت بعناية.

مثال على ذلك:

وجدت خرائب عظيمة في زمبابوي (جنوب أفريقيا) وقد ظلت مدرة طويلة لغزاً من الألغاز، وكانت تحيط بها أغرب الآراء فمن قائل إنها بنيت على يد الفينيقيين ومن قائل أنها كانت (الأوفير) أي المكان الذ حصل منه سيدنا سليمان عليه السلام على ذهبه، ومن قائل إنها كانت نقطة أمامية متقدمة لمصر الفرعونية في أفريقيا، ولو أن أية نظرية من هذه النظرية ثبت صحتها لكان لابد لنا أن نعيد النظر من جديد في جيع آرائنا عن التاريخ القديم لإفريقيا.

إلا إن قطعة لا قيمة لها من الخزف عثر عليها في أساس البناء خلال التنقيب العلمي بطريقة منظمة وعناية أثبتت أن ما كان يسمى معبداً هو بناء يرجع إلى العصور الوسطى ولابد أن يكون من عمل الإفريقيين الوطنيين أنفسهم، فمن الواضح أن مثل هذه القطعة الصغيرة من الفخار لم تكن بأية حال لتلفت نظر مغامر من المغامرين أو سراق الآثار الذين لا هم لهم من التنقيب غير البحث عن كل شيء نفيس.

فعلم الآثار يخرج الكثير من الوثائق عبر دراسة ما تركه الإنسان وهي أكثر بكثير من المدونات التي تعتمد أساساً على الوثائق المكتوبة كانت تنحصر بشكل كبير في الاحداث التي يعبر عنها الكتاب في جميع العصور بالتسجيل كالحروب والحوادث السياسية وسير الملوك.

أما أعمال التنقيب عن الآثار فهي تخرج كمية أكبر من الوثائق المكتوبة لكنه يزيل الغموض عن أشياء كثيرة توضح لنا فنون الماضي وصناعته اليدوية بالإضافة إلى مقرات العبادة والمنازل التي كانوا يسكنون فيها، بل يزودنا بمادة لتاريخ اجتماعي من نوع لم يكن من الممكن الحصول عليه من قبل.

ففي جميع أنحاء العالم أعمال التنقيب الأثري جارية على قدم وساق، في أوروبا، أمريكا الجنوبية، الصين، الشرق الأوسط، تركيا، أفريقيا، أستراليا، أمريكا الشمالية، آسيا، كل هذا النشاط الأثري يكمل معلوماتنا ويضيف آفاقاً جديدة إلى فكرتنا عن الماضي القديم للإنسان؛ كل هذا بفضل إخراج هذه الآثار إلى النور بطريقة علمية سليمة.

للتغذية الفكرية

** مادة هذه المقالات منقولة من كتاب موجز في علم الآثار للدكتور علي حسن سنة الطبع 1993م، النسخة عربية.

Exit mobile version