مثال يوضح علاقة العلوم المختلفة بالآثار

من هذا المثال يتضح مدى أهمية قيمة التعاون بين الباحث في علم الآثار والباحث في العلوم الأخرى، فقد لزم هنا التعاون لعلماء النبات وعلماء الحيوان وعلماء الطبيعة وعلماء الآثار لحل مشكلة واحدة والوصول إلى حل حاسم لها في تأصيل العمر الزمني لبداية الاستيطان والتمدن في منطقة الهلال الخصيب.

فلقد عاش الإنسان الأول متجولاً من مكان إلى مكان يجمع طعامه من لحوم الصيد وأجزاء من النباتات المختلفة كما توصل إليه العلم، وكان يرتحل من مكان إلى آخر أينما يتوفر له الصيد وتكثر النباتات التي كان يتغذى عليها، وظل على هذا الحال آلاف السنين لم يكن له مستقر دائم يبدأ فيه وضع أسس الحضارة، إلى أن اكتشف الزراعة واستأنس الحيوان ليضمن قوته بصفة دائمة لمن لحوم وبقول وخضروات وفاكهة، وكان لهذا الكشف أكبر الأثر على تطور الحضارة في العالم، بل لعله أكبر كشف للإنسان عبر العصور ولعله أكثر أهمية للتقدم البشري في العصر التقني الحديث.

وعندما بدأ العلماء في العصر الحديث بالتفكير في هذا الكشف الخطير كان من الصعب بالطرق العادية تحليل وفهم وتحديد نوع المجتمع القديم، هل كان مجتمعاً زراعياً مستقراً أم كان مجتمعاً قبليا يعتمد على الصيد لقوم رحل أقاموا في ذلك المكان فترة قصيرة ثم رحلوا عنه؟، وهنا تدخل العلم بأساليبه البارعة وأمكن من خلال الفحص الكلي لبقايا الحيوانات والنباتات بالرد على هذا الاستفسار آنف الذكر؛ فقد دل الفحص علماء النبات لأنواع الحبوب التي وجدت في منطقة الهلال الخصيب بين نهري دجلة والفرات في قرية “جارمو” (العراق) أنها ليست من البذور التي وهبتها الطبيعة القدرة على بذر نفسها على نطاق واسع بل من الأنواع التي يزرعها الإنسان ويحصدها، أي انها نباتات مستأنسة، كما قام علماء الحيوان بدراسة قرون الماعز في نفس المكان، ووجدوا أنها بها تغيرات واضحة تدل على أنها كانت حيوانات مستأنسة، ولم تكن من النوع البري الحر الطليق.

ومن هذا ثبت أن مجتمع قرية جارمو كان مجتمعاً زراعياً، ولما كان علماء الطبيعة قد قدروا عمر المخلفات العضوية في ذلك المكان بحوالي 8500 سنة من وقتنا الحالي فإنه يمكن القول بأن الزراعة كانت معروفة في الوادي الخصيب في حوالي 6500 قبل الميلاد، وربما اكتشفت به ثم انتشرت منه إلى باقي أجزاء العالم القديم، وربما اكتشف الإنسان القديم الزراعة في أماكن أخرى أيضاً في نفس الوقت وعلينا أن ننتظر من العلم أن يقول كلمته في هذا المجال.

للتغذية الفكرية

** مادة هذه المقالات منقولة من كتاب موجز في علم الآثار للدكتور علي حسن سنة الطبع 1993م، النسخة عربية.

اترك رد

Scroll to Top

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading